الزمن البرّيّ
@ViewBag.BookData.SubTitle
-
كتب بواسطة: حسين سليمان
في «الزمن البرّيّ» تُعاد كتابة علاقة الإنسان بالمكان والذاكرة عبر سرد يتقدّم في مسارات متشابكة، حيث تتحوّل البلدة إلى كائن حيّ تتراكم داخله طبقات الخوف والرغبة والانتظار. كِندة تتحرّك في هذا الفضاء كقوة قَلِقة، تنجذب إلى السطوح والنهر والفراغات المفتوحة، وتبحث عن معنى لا يستقرّ داخل البيت أو العائلة أو الأعراف اليومية. حضورها يخلخل توازن المحيط، ويدفع الشخصيات الأخرى إلى مراجعة مساراتها: الأب عدنان الذي تتنازعه الوظيفة الرتيبة ونداء هاتف غامض يعيد فتح جرح حب قديم، الجدة الغارقة في طقوس الخرز واستعادة الخسارات، والعم ساكن الذي يعيش على تخوم العزلة والتأويل الروحي، حاملاً خطاباً غامضاً عن العالم والحرية والمصير.
يشتغل حسين سليمان على تفكيك الزمن إلى وحدات شعورية: لحظات انتظار طويلة، أحلام تتداخل مع اليقظة، أصوات عابرة مثل زقزقة العصافير أو هدير الشاحنة الليلية، تتحوّل إلى علامات سردية تؤسّس شبكة دلالية متماسكة.
يذهب السرد في الرواية إلى بناء توتّر داخلي مستمر بين الانجذاب إلى العالم المفتوح والرغبة في الاحتماء بالذاكرة. مشاهد السطوح، النهر، المئذنة المائلة، والبيوت الطينية المتداعية، تتحوّل إلى فضاءات اختبار نفسي، حيث تتعرّى الشخصيات أمام هشاشتها الخاصة. عدنان، في انتقاله بين البيت ومكتب البريد والهاتف الغامض، يعيش انقساماً صامتاً بين صورة الأب المسؤول ورجل تلاحقه بقايا رغبة قديمة لم تُغلق ملفاتها. هذا الانقسام لا يُقدَّم في صيغة اعتراف مباشر، وإنما عبر تفاصيل صغيرة: تأخّر عن العمل، شرود أمام نافذة، انجذاب مفاجئ إلى صوت أنثوي مجهول، وكلّها إشارات ترسم خريطة اضطراب داخلي متنامٍ.
في المقابل، تتشكّل شخصية كِندة كقوة مقاومة للانضباط الاجتماعي، عبر لغة تتكئ على الحسّ البصري والسمعي واللمسي: مراقبة الجسد العاري في فناء الجيران، الإصغاء إلى أصوات الليل، تتبّع حركة الطيور، لمس الأرض قرب النهر. هذه التفاصيل لا تؤدّي وظيفة وصفية، وإنما تبني طبقة رمزية عن الجسد والحرية والمحرّم، وتحوّل التجربة الفردية إلى سؤال مفتوح حول العلاقة بين الرغبة والمعنى. بهذا التكوين، يقدّم النص رواية لا تبحث عن خاتمة مريحة، وإنما تترك القارئ في منطقة توتّر خصبة، حيث تتقاطع الأسئلة الوجودية مع اليوميّ البسيط، ويصبح الزمن نفسه مادة قابلة لإعادة التفكير والتأويل.
--
