أوف سايد
@ViewBag.BookData.SubTitle
-
كتب بواسطة: ياسر أحمد
كتاب "أوف سايد"، كاتالوغ يضمّ مجموعة من أعمال فنّان الكاريكاتير ياسر أحمد، ليشكّل إضافة نوعية إلى "سلسلة الفنون" التي تنشرها الدار لتعزيز الحضور البصريّ والفنيّ إلى جانب النتاج الأدبيّ.
يمثّل الكاتالوغ نافذة على تجربة فنّية متفرّدة ترصد اللحظة الساخرة وتلتقط تفاصيلها بحدّة وبراعة، حيث يتحوّل الكاريكاتير إلى مساحة للتأمّل في الواقع، وإلى مرآة تكشف عبثه وتناقضاته، لتؤسس لوعي بصري يجاور الأدب ويغذيه.
سيمفونية الدهشة
الدهشة هي الشرط الأول لفنّ الكاريكاتير، فهي لحظة مفاجئة تُثير التساؤلات وتفتح أفق التفكير. الكاريكاتير ليس مجرد فنّ بصريّ، بل هو أداة تكثيفية رائعة تدمج بين البصر والفكر، وتخلق مساحة من التأمّل والتحدّي. إنّه الفن الأكثر قدرة على جمع العمق الفكريّ مع البساطة البصرية، ليصل إلى الجمهور بسرعة وسهولة.
الكاريكاتير في جوهره هو منشور سرّيّ يتناقله الناس بلمح البصر، وهو لا يقدّم فقط الضحك أو التسلية، بل يكشف الأخطاء والعيوب ويطرح التساؤلات بشكلٍ مباشر وقوي. هو عدسة مكبرة لمشاكل المجتمع، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، يكشف عن التحدّيات التي قد يغفل عنها البعض، ويُجسّدها في صورٍ صادمة، لكن ممتعة.
أمّا ريشة ياسر أحمد الكاريكاتيرية، فهي تشبه عصا قائد الأوركسترا، التي يقود من خلالها جميع الأدوات الفنية. الخطوط، الألوان، الأفكار، والمؤثرات الخاصة تتناغم معاً لتشكّل سيمفونية بصرية لا تُنسى. من خلال هذه السيمفونية، يقدم ياسر أحمد كل ما هو إنسانيّ وسياسيّ، ويجعل من كل عمل له دعوة لرفع الوعي، ليترك أثراً في نفوس المشاهدين ويساهم في تشكيل رؤيتهم للأحداث حولهم.
أعمال ياسر الكاريكاتيرية، وبفضل أسلوبه الفريد، قد حققت مكانة مميزة بين كبار الفنانين. هذه الأعمال لا تقتصر على أن تكون مجرّد رسومات، بل هي بمثابة شهادة حيّة على قدرة الفنّ على التجدّد والتحوّل.
يتحوّل الكاريكاتير في يد ياسر إلى أداة حيّة تعكس الواقع بصدق، وتنقل مواقف مبدئية وأخلاقية تميّز الفنّان الملتزم بقضايا مجتمعه والعالم. وتراه عبر ذلك، يثبت أنّ الفنّ لا يزال في تطوّر مستمرّ، وأن الفنّانين الشباب قادرون على إدخال أبعاد جديدة إلى هذا النوع من الفنّ، ليواكبوا التغيّرات المستمرة في الواقع.
الفنان والمخرج موفق قات
------
موعدنا في "النوروز"
ياسر أحمد، ريشة عذبة وأنيقة من أقصى الشمال السوريّ الجميل، مجتهد ومتجدّد. يُغبط على حبّه لفنّ الكاريكاتير وغزارة إنتاجه. ومع أنّه نال بعضاً ممّا يستحقّ من جوائز وتكريم، إلا أنّه ربّما لم يكن محظوظاً بما يكفي في التوقيت، فقد جاء ياسر في وقتٍ شهد اعتصار كرم الصحافة في العالم العربيّ، حين أصبحت "الجريدة" كلمة لا تعني للجيل الجديد المؤتمت شيئاً، وإلا لكان أضاف أكثر وأكثر للصفحات الأخيرة. وها هو الآن، بين المدن والمسارات الجبلية المتعرّجة واللغات، يحافظ على جذوة "نوروزه"، بأناقة في الخطّ، وتنوّع في التقنيات، وتجديد في المفارقة.
ياسر، صديقي الذي أعرفه تماماً ولم ألتقِ به، إذ إن سبل حوران لم تعد متاحة لي منذ بدء ثورة الشعب السوريّ، ولم يعد في مرسمه الحلم في القامشلي؛ فقد دفعه موقفه بعيداً بين المدن والدول لأنّه رسم ما أملاه عليه نقاؤه. لا بأس يا صديقي، فلا رسّامَ كاريكاتير حقيقيّاً يولد من دون معاناة وقضية، وهو ما انعكس على شخوصه في الكاريكاتير، تراهم نحيلي الوجوه، مذهولين ومتعبين، وغالباً ما يكونون مصحوبين بحقيبة سفر يعرفها هو جيّداً. تتحرك شخوصه بمرونة وخفّة، تشبه حركة ترحاله، بألوان ذكية ومدروسة بعناية، وبمفارقة قائمة على الكوميديا السوداء، ككلّ عناصر مشهد مَن يعيش هنا.
كثيراً ما حلمت، كرسّام كاريكاتير، وربّما راود الحلم زملاء آخرين، أن نرسم مفارقات بسيطة في الحياة، كأن تستيقظ فلا تجد الدماء تغطي مساحة شريط الأخبار، لكنّه الشرق الأوسط؛ قلب الدنيا وبؤرة التاريخ كما وصفه الراحل هيكل. نعم، هنا حيث لا تجد صباحاً يخلو من أسباب الغضب التي تجعل رسّام الكاريكاتير يقبض على ريشته كمِشرط، يعبر بين مساحات ضيّقة وخطرة، مع احتمالات واردة جدّاً للمساءلة وقطع الرزق.
عبر ياسر مساحاتٍ شائكة، واكبتها معه، متنقّلاً عبر جغرافيا الأرض وتنوّع الممنوعات، لكنه أبقى على نقاء قلبه، ومهارة قلمه، وصبر وتأنٍّ في العمل يُغبط عليه. فنّان حقيقيّ يحبّ ما يقدمه، يجرّب ويتعلّم ويقدّم الجديد، ويحبّ الحياة مثلنا… إذا ما استطاع إليها سبيلاً.
إلى لقاء، يا صديقي الذي لم أشرب القهوة معه بعد؛ فلم ينجح موعدنا في دمشق ولا في إسطنبول، وبرلين بعيدة! أفضّل وتفضّل أنت بالتأكيد أن يكون قريباً… وفي سوريا.
رسام الكاريكاتير ناصر الجعفري
